شرح نصّ : ملكة الخيال ـ جبران خليل جبران ـ ص 32
التّمهيد : للرّومنطيقيّين رغبة في مفارقة الواقع لعلّ من أهمّ وسائل تحقيقها الخيال
كما في هذا النّصّ .
التّقديم : النّصّ قصصيّ رمزيّ مأخوذ من كتاب "دمعة وابتسامة" لجبران خليل
جبران وهو أديب لبنانيّ ترأّس الرّابطة القلميّة بالمهجر .
الموضوع : هناك نقل لرحلة
خياليّة إلى عالم السّماء .
الوحدات : وفق معيار بنية الأحداث :
1ــ بداية النّصّ
← قائمة عامرة : وضع البداية
2 ــ ولمّا جاء اللّيل ← عبد الأيّام : سياق التّحوّل
3 ــ بقيّة النّصّ : وضع الختام
الشّرح :
І ــ وضع البداية :
تعدّدت عناصر الخطاب القصصيّ :
1 ــ المكان : وجهة السّارد هي تدمر المدينة
الأثريّة بالشّام ، وفي التّوجّه إليها حنين إلى الماضي البعيد ورموزه . ووصف
السّارد مكوّنات هذا المكان من أعشاب وأعمدة أصابها الدّهر بالدّمار والخراب
فشبّهت بأشلاء الحرب .
2 ــ الأحداث : هناك أحداث متعاقبة وهي الوصول
والاستلقاء والتّأمّل والوثوب . وتدلّ على رحلة مضنية قام بها السّارد للبحث عن
عالم أفضل يشعر فيه بالطّمأنينة والرّاحة في الطّبيعة "أعشاب" وسط هذه
الآثار . وساعدته هذه الرّحلة على تأمّل عالمين متناقضين عبّر عنهما بالتّقابل بين
عظائم مهدومة ومنقوضة وبين صغائر قائمة عامرة . العالم الأوّل عظيم رغم ما أصابه
من هدم لأنّه ينتمي إلى الماضي العريق زمن الحياة البسيطة ، والعالم الثّاني تافه
حقير رغم إعماره . ولهذه الرّؤية للماضي والحاضر مرجعيّة رومنطيقيّة . وعلّل
السّارد الأحداث تعليلا عجيبا حين اعتبر وثوبه بسبب قوّة سحريّة .
3 ــ السّارد الشّخصيّة : بدا وحيدا متعبا في هذا
الوجود يبحث عن ملاذ يشعر فيه بالسّكينة والطّمانينة .
ІІ ــ سياق التّحوّل :
بنيت الأحداث بناء ثلاثيّا قائما على قادح الفعل
وصميمه ومآله :
1 ــ قادح الفعل : هناك تغيّر في الزّمان هو
اللّيل وهو زمان كان له أثر في الوجود إذ وحّد بين مختلف عناصر الكون وألّف بينها
في السّكينة التي وردت في صورة قائمة على استعارة مكنيّة حين جعل لها ثوبا . وأيقظ
هذا الزّمانُ مشاعرَ غريبة لدى السّارد بالنّشوة وبثقل الأجفان وبتحرّر النّفس من
قيودها استعدادا للانتقال إلى عالم آخر .
وقد استُمدّت صورة الأرض وهي تميد وتهتزّ من
القرآن الكريم .
2 ــ صميم الفعل : هو التّحوّل من الأرض إلى
السّماء ومن الواقع إلى الخيال وممّا يؤكّد خياليّة هذه الرّحلة :
أ ــ المكان : تعرّف السّارد تدريجيّا على المكان
من رياض ومنفرج وعرش . وتبيّن مكوّناتُه خياليّتَه فالرّياض لا يمكن تخيّلها
والأنوار تنسكب .
ب ــ الأحداث : هناك أحداث جرت على غير ما تجري به
في العادة فاستواء الملكة على العرش نتج عنه هبوط سرب الحمام "واستوت عليه فــهبط
إذ ذاك سرب الحمام" . وهذه الملكة
قادرة بنظرتها السّحريّة على جذب السّارد إليها .
ج ــ الشّخصيّات : متنوّعة :
* شخصيّة بشريّة : هي السّارد وقد بدا مشاهدا
مندهشا مصغيا للملكة دون مشاركة في الحوار .
* شخصيّات حيوانيّة : هي الحمام ويبدو سلوكه غريبا
فانتظامه في شكل هلال يدلّ على صدور فعله عن وعي .
* شخصيّات
غيبيّة : ظهرت تدريجيّا في النّصّ :
ــ جوق العذارى : شخصيّات غرائبيّة لها ملامح
متميّزة مثل مشيتها ، ودورُها هو الغناءُ وخدمةُ الملكة .
ــ الملكة : عرّفت بنفسها باعتبارها "ربّة
مسارح الخيال وملكة غابة الأحلام" . ومرجعيّة صورتها واقعيّة وهي صورة ملك له
عرش يستوي عليه ويُخدم ويُستقبل بالغناء . وهناك تركيز على خطابها ومن سماته
الشّعريّة وتنوّع المضامين :
ــ شعريّة الخطاب : تولّدت من إيقاعه وتراكيبه
النّحويّة وصوره الفنّية .
ــ مضامين الخطاب : طلبت الملكة من السّارد أن
يبلّغ خطابها إلى النّاس وهذا ما يجعل كلامها عبارة عن رسالة سماويّة يتحوّل فيها
السّارد إلى نبيّ يبلّغ وحي السّماء إلى النّاس ويحمل رسالة إليهم . وقد تنوّعت
مضامين خطابها وهي :
• التّعريف بمدينة الخيال باعتبارها عُرسا وجنّة
فهي فضاء للفرح والمسرّة ومتعة الرّوح ومخصوصة بفئة من النّاس تعيش بالخيال ومن
أجله وتتحرّر بأحلامها من الواقع .
• لوم
النّاس : لامتهم الملكةُ لآنّهم تخلّوا عن السّرور الذي منحته لهم واتّبعوا ملاك
الظّلمة فشاع بينهم حزن توهّموه نشوة وسعادة بسبب سكرهم وغفلتهم .
• حِكَمٌ وحقائق : منها : السّبيل إلى الاستمتاع
بالحياة هو التّطلّع إلى عالم السّماء والحنين إليه ، ومنبع الأفكار هو الخيال والعاطفة لا الحواسّ ،
والخيال سبيل للانعتاق من الحياة الدّنيا . وأنهت خطابها بحكمة وردت في تركيب شرط
"ومن لا يصرف الأيّام ..." تكشف رؤية قاتمة للوجود باعتباره مجال معاناة
وعبوديّة وتحديدا لسبيل الخلاص وهو الأحلام .
← هناك منحى غرائبيّ يتجلّى من خلال تنوّع مرجعيّات الشّخصيّات وملامحها .
وهذه الغرائبيّة تعكس موقفا من العقل يرفض اعتباره مصدرا للمعرفة .
3 ــ مآل الفعل : هو زوالُ البخوِر والرّؤيةِ
وحركةٌ جديدةٌ للأرض مماثلة لحركتها في بداية الوحدة . وهذا مؤشّرٌ على فقدان
البطل الصّلةَ بالسّماء .
ІІІ ــ وضع الختام :
هناك عودة إلى حالة اليقظة أصبح فيها البطل وحيدا
وفي المكان نفسه ولكنّ الزّمان تغيّر وهو الفجر وأوحى بالأمل وبحياة مشرقة للبطل
وهو محاط برعاية السّماء ويؤدّي رسالة نبيلة في الوجود .
التّأليف :
ــ هذه القصّة الرّمزيّة تؤكّد نبوّة الرّومنطيقيّ
واقتناعه بحمله رسالة وسموّه عن عالم
النّاس .
ــ تعبّر هذه الأحداث رمزيّا عن مسيرة
الرّومنطيقيّ في الوجود فهو يعيش في وجود مكبّل بالقيود ويرغب في التّخلّص من
الدّنيا وقيودها متعلّق بعالم السّماء .
ــ الخيال عند الرّومنطيقيّين ليس مجرّد وسيلة
للتّحرّر من الواقع وقيوده ولكنّه وسيلة هامّة أيضا للإبداع والابتكار .

تعليقات
إرسال تعليق