شرح نصّ :
عش للجمال ـ إيليا أبو ماضي ـ ص 36
التّمهيد : الحياة موضوع الأدب عند الرّومنطيقيّين
وهي حياة النّفس فدعوا إلى الفرح ومن سبله الاستمتاع بالجمال الموجود في
الكون وقد عدّد أبو ماضي بعض مظاهر هذا الجمال في نصّه هذا .
التّقديم : النّص قصيدة رومنطيقيّة مأخوذة من ديوان إيليا أبو ماضي .
الموضوع : يدعو أبو ماضي إلى الجمال عقيدة مبيّنا مظاهره في الطّبيعة والإنسان .
الوحدات : حسب معيار بنية النّصّ :
1 ــ ب1 ← ب 8 : التّفصيل
2 ــ ب 9 + ب 10 : الإجمال
الشّرح :
І ــ التّفصيل :
استهلّ النّصّ بأسلوب إنشائيّ :
عش: أمر أفاد النّصح فهذا الخطاب نابع من وعي
الرّومنطيقيّ بحمله رسالة إلى النّاس ونبوّته . وهذا الخطاب مباشر موجّه إلى
النّاس عامّة قصد التّأثير فيهم . فتجلّت صورة الرّومنطيقيّ الدّاعي إلى مذهب
معيّن في الحياة .
للجمال : مفعول لأجله به حدّد أبو ماضي مقصد الحياة والوجود . فدعا إلى حياة تعتنق
الجمال عقيدة .
ترى : فعل دلّ على الرّؤية فأبو ماضي ينبّه إلى
مظاهر متنوّعة للجمال في الوجود . وقد وردت كلمة "الجمال" موصوفة فقامت
هذه الوحدة على مشاهد وصفيّة فعدّد الشّاعر مظاهر الجمال في الطّبيعة والإنسان :
أ ــ مظاهر الجمال في الطّبيعة : عدّدها أبو ماضي مستخدما
أساليب متعدّدة :
ــ امتدّت الجملة الأولى على الأبيات الخمسة
الأولى فكان طولها مناسبا لمقصد تفصيل مظاهر الجمال وتعديدها .
ــ تواتر تركيب الجرّ "في أنجم اللّيل ، في
الرّبى ، في الجبال ، في السّواقي ، في البروق" الذي مثّل مفعولا فيه لتحديد
تجلّيات الجمال في الوجود .
ــ تواتر حرف العطف الواو قصد التّعديد والتّركيم
والتّفصيل .
ــ هيمن معجم الطّبيعة : فكانت عناصر الطّبيعة
متنوّعة من زمان "اللّيل ، الأصيل ، المساء" ومكان "الرّبى ،
الجبال ، السّواقي" ونبات "زهر ، رياحين" قصد التّأثير في المتقبّل
ببيان مظاهر مختلفة للجمال وترغيبه فيه .
ــ قام وصف الطّبيعة على التّخييل لكثافة الصّور
البلاغيّة الجامعة بين أطراف متباعدة :
• كفّ الأصيل : استعارة مكنيّة إذ استعار للأصيل
أحد لوازم الإنسان وهو الكفّ .
• سرابيل الرّهابين : استعارَ لباسَ الإنسان للظّلّ الذي يلفّ
الجبل مساء .
• كالطّفل : شبّه السّواقي بالطّفل ، والطّفولة رمز للبراءة ولهذا
فالطّبيعة عند الرّومنطيقيّين مهد للبراءة والجمال والعفّة والطّهر فيجمعون بين
حبّ الطّبيعة والحنين إلى الأزمنة الغابرة التي كان فيها الإنسان بمثابة الجزء من
الطّبيعة يعيش وفق قوانينها .
• لها ضحك المجانين : استعار أحد رموز الإنسان
(الضّحك) للبروق .
• ابتسامات أيّار (ماي) : استعارة مكنيّة
• أجفان تشرين (تشرين الأوّل هو أكتوبر وتشرين الثّاني هو نوفمبر)
: استعارة مكنيّة
ــ هناك تحوّل إلى الجملة الاسميّة (البيت
السّادس) التي تراوحت بين النّفي "لا حين ... لا حدّ ..." والإثبات
"إنّما" . وهذه البنية
التّركيبيّة أكّدت اعتبار الشّاعر الجمالَ غير مقيّد بزمان أو مكان . فهو يخفي
نقمة على البشر الذين يضعون لحياتهم ومشاعرهم حدودا . ولهذا يرغّب في المطلق ويدعو إلى التّخلّص من الظّرفيّ المحدود (من
مكان وزمان وجسد ...) لأنّ القيود تحدّ من حرّية الإنسان .
ب ــ مظاهر الجمال في الإنسان (البيتان السّابع
والثّامن):
عدّد أبو ماضي مظاهر هذا الجمال بتوظيف :
ــ " كم " الخبريّة الدّالّة على الكثرة
.
ــ التّقابل بين الصّدر والعجز في كلا البيتين :
• التّقابل بين سربال الغانية وبين أسمال المسكين
، فالجمال لا يرتبط بالفقر والغنى .
• التّقابل بين "أعمى ، جّنّ له" وبين "ألف راء ،
غير مفتون" . فعدم انبهار الرّائي بالجمال وقدرة الأعمى على الإحساس به يكشف
إنكار الشّاعر لدور الحواسّ في المعرفة (ومنها معرفة مواطن الجمال) وإقرارهم بدور
الخيال والعاطفة في بلوغ الحقيقة . فالرّومنطيقيّ على خلاف الكلاسيكيّ لا يعترف
بالعقل أداة للمعرفة ويؤسّس لمعرفة وجدانيّة متساميا عن العقل مؤمنا بالقلب
والوجدان باعتبارهما منفذين إلى الحقيقة .
← بنيت هذه الوحدة على ترديد لتركيب الجرّ وتكرار
لكلمة (كم) وتقابل بين جمل . وهذا ولّد إيقاعا جميلا يحاكي الجمال الذي يدعو أبو
ماضي إلى اعتناقه . فهذا الإيقاع غناء من أجل جمال الحياة والوجود يحاكي عنوان
ديوان الشّابّي "أغاني الحياة" . ويمثّل هذا الإيقاع في نظر
الرّومنطيقيّين استجابة إلى حاجة من الحاجات الرّوحيّة المشتركة بين النّاس وهي
الحاجة إلى الموسيقى (انظر شذرات ص 39) .
← كشف وصف الطّبيعة طاقة تخييليّة (تشابيه
واستعارات ..) حوّلت الوصف من مجرّد وصف عاديّ إلى أداة تعبير محمّلة بالرّمز
وتؤكّد انشداد النّصّ إلى آليّات الكتابة الرّومنطيقيّة التي تعتبر الطّبيعة رمزا
لما ينشده الإنسان .
←هذا التّكامل بين التّخييل والتّأثير يكشف وظيفة
الأدب عند الرّومنطيقيّين باعتباره تعبيرا عن النّفس والعاطفة التّوّاقة إلى
الطّهر والجمال والتّحرّر من سلطة الواقع وأسر الزّمان والمكان . فكانت الطّبيعة
جامعة لهذه المعاني ورامزة إليها .
ІІ ــ الإجمال :
هناك عودة إلى الطّلب الذي ردّد مرّتين "عش
... عش ..." فتحوّلت الدّعوة إلى الجمال من موقف عاطفيّ انفعاليّ (إعجاب
بالطّبيعة وانبهار بها) إلى تجسيد موقف مذهبيّ ثابت لدى الشّاعر . ولهذا كشف موقفا
ساخرا من المعرضين عن الجمال عبّر عنه بصورة قائمة على التّفضيل "خير
وأفضل" للمبالغة في التّحقير . ففضّل تماثيل الطّين على هؤلاء ونسب إليهم
تحجّر العواطف وانتفاء الأحاسيس ممّا جعلهم لا يدركون الجمال وقيمته . وبهذا تنتفي
عنهم صفة الإنسان لأنّ الإنسان عند الرّومنطيقيّين إنسان بعواطفه .
التّأليف :
ــ كشف النّصّ تعلّق الرّومنطيقيّين بالطّبيعة
ووصفها باعتبارها مجال جمال يتحرّر فيها الخيال والعاطفة .
ــ الأدب عند الرّومنطيقيّين تعبير عن حاجات
روحيّة عاطفيّة مشتركة مثل الحاجة إلى الجميل والموسيقى .
ــ الدّعوة إلى الجمال مذهبا تجسيمٌ لفكرة
الرّومنطيقيّ النّبيّ الحامل لرسالة إلى النّاس .

تعليقات
إرسال تعليق