شرح نصّ:
الشّاعر ـ إيليا أبو ماضي ـ ص 24
التّمهيد :
اطّلع العرب في القرن العشرين على الآداب الغربيّة فاستفادوا من التّيّارات
الأدبيّة السّائدة فيها ومنها
الرومنطيقيّة . وقد ظهر هذا التّيّار في الغرب من النّصف الثّاني من القرن
الثّامن عشر إلى النّصف الأوّل من القرن العشرين على أنقاض التّيّار الكلاسيكيّ.
أمّا في الأدب العربيّ فإنّ المرحلة التي استقرّت فيها الرّومنطيقيّة في نظر البعض
هي الثّلث الأوّل من القرن العشرين من سنة 1913 بداية تكوّن جماعة المهجر إلى 1934
تاريخ توقّف مجلّة أبولون عن الصّدور وتفكّك جماعة أبولو المصريّة .
التّقديم : النّصّ قصيدة رومنطيقيّة لإيليا أبو ماضي وهو شاعر لبنانيّ ساهم في تأسيس
الرّابطة القلميّة بالمهجر سنة 1920 .
الموضوع : يحدّد أبو ماضي منزلة الشّاعر في الوجود .
الوحدات : وفق معيار ثنائيّة حضور الشّاعر وغيابه :
1 ــ بداية النّصّ ← الحبّ فينا : حضور الشّاعر
2 ــ بقيّة النّصّ : غياب الشّاعر
الشّرح :
عنوان النّصّ : العنونة ظاهرة حديثة في القصيدة العربيّة . وقد
ورد العنوان مبتدأ لخبر محذوف وتدلّ اسميّة الجملة على أنّ النّصّ قائم على
التّعريف . فالنّصّ حديث عن الشّاعر بلغة الشّعر . وقد جاء العنوان اسما مفردا
لتحديد طبيعة الشّاعر عامّة . ويؤكّد التّعميم منذ البداية تجاوز إيليا لما هو
ظرفيّ وهو وفاة خليل مطران .
І ــ حضور الشّاعر :
عروضيّا : ــ حافظ أبو ماضي على وحدة البحر
والرّويّ .
ــ اعتمد تقفية داخليّة : انتهت الصّدور والأعجاز
بحرف النّون وكانت حركته طويلة ويوحي هذا بالتّفجّع بسبب كثرة ما اقترن به هذا
الحرف رويّا من تفجّع في الشّعر العربيّ (مثل نونيّة ابن زيدون) .
ــ هناك تفاوت بين الأبيات في عدد التّفعيلات .
ــ قسّم أبوماضي النّصّ إلى ستّة مقاطع متفاوتة
الحجم خضع بناؤها إلى التّدرّج من الطّول إلى القصر.
← بناء النّصّ طريف يكشف تمرّدا على بعض سنن
النّظم التّقليديّة المعروفة إذ تخلّى أبو ماضي إلى حدّ ما عن البناء العموديّ .
← للرّومنطيقيّين جرأة في خروجهم عن المألوف .
تركيبيّا : قسّم أبو ماضي هذه الوحدة إلى ثلاثة
مقاطع مختلفة من حيث أسلوبها ومضمونها :
1 ــ المقطع الأوّل : (أربعة أسطر) فيه تحديد لطبيعة الشّاعر ومنزلته
في الوجود عبّر عنها أبو ماضي بأساليب مختلفة :
ــ الجملة فعليّة معبّرة عن الظّرف دلّ فيها
الظّرف "عندما" على التّزامن بين حدثين هما إبداع الكون وخلق الشّاعر
وفي هذا إظهار لخصوصيّة الشّاعر وتميّزه عن بقيّة الكائنات .
ــ الأفعال : هناك تماثل بين الفعل الإلهيّ
"أبدع ، خلق" وبين فعل الشّاعر "يخلق" قصد رفع قيمته .
ــ معجم البصر: "عيونا ، تبصر" فالشّاعر
يُري الآخرين ما لا يرونه فدوره هامّ باعتباره يرتقي بمستوى إدراك النّاس لطبيعة
الوجود ويجعلهم يدركون سرّ السّعادة والجمال المطلق زمانا ومكانا .
ــ التّقابل بين "ارتقى" و"لا
يرتقون" يؤكّد فعل الرّومنطيقيّ المعجز والمؤثّر في الوجود والمحوّل لطبائع
الأشياء . فعبّر أبو ماضي عن السّببيّة بالفاء "فارتقى" وعن صفة
التّغيير بالتّقابل بين ما قبل خلق الشّاعر وما بعده . ويتأكّد الفعل الخارق
المؤثّر بفعلين دالّين على الدّيمومة والاستمرار "استمرّ، دام" .
← كثافة معجم الجمال "جميلا ، ثمينا ، الحسن
، الحسن ، الحبّ" تؤكّد أهمّية العاطفة عند الرّومنطيقيّين فهم ينشدون عالما
ملؤه الجمال والحبّ والسّعادة .
← وردت الأسماء عامّة "للنّاس ، الخلق "
ممّا يدلّ على النّزعة الكونيّة الإنسانيّة في الأدب الرّومنطيقيّ .
2 ــ المقطع الثّاني : (ثلاثة أسطر) الجملة
اسميّة ورد فيها الخبر متعدّدا فالخطاب قائم على الإطناب قصد التّعريف بالشّاعر :
ــ هناك تقابل بين ظاهره وباطنه : فهو في الظّاهر
كائن مخلوق من طين حقير وفي جوهره وحقيقته روح سامية طاهرة كريمة . فوظّف أبو ماضي
مفاهيم دينيّة (الإنسان روح وجسد) لإنشاء مفهوم جديد للشّاعر .
ــ استحضر أبو ماضي مقولة النّبيّ المجهول (موجودة
عند الشّابّي أيضا) فالرّومنطيقيّ نبيّ يحمل رسالة إلى النّاس (تدعو إلى الحبّ
والسّعادة والجمال ...) .
ــ أفعاله : وردت في معجم البصر "يلمح ،
يرى" ومعجم المشاعر "يحسّ ، الفرح" . ودلّ المعجمان على خصوصيّة
رؤية الشّاعر وأحاسيسه لقيام الخطاب على التّقابل :
* التّقابل بين يلمح وخفيّا وبين يرى ودفينا وبين
الطّهر والجناة الآثمين يدلّ على أنّ الرّومنطيقيّ يرى ما لا يراه غيره من النّاس
فهو لا يدرك الأشياء بعقله وإنّما يدركها بعاطفته . وفي تأكيد أبو ماضي على
خصوصيّة الرّؤية لدى الرّومنطيقيّ مصالحة بين الشّاعر وصفته الأولى إذ قال ابن
منظور : "قائل الشّعر شاعر لأنّه يشعر ما لا يشعر غيره أي يعلم" .
* التّقابل بين "يحسّ" وبين "جريحا
وطعينا" يؤكّد خصوصيّة مشاعر الرّومنطيقيّ وخاصّية من خاصّياته وهي التّضحية
والفداء فهو رافض للواقع ساع إلى تغييره .
3 ــ المقطع الثّالث : (ثلاثة أسطر) ورد جملا
استفهاميّة متماثلة تركيبيّا "من سواه ...من ترى إلاّه" فنشأ إيقاع
مخصوص من هذا التّماثل . وقد أفاد الاستفهام النّفي لبيان تميّز الرّومنطيقيّ عن
غيره في ثورته وتألّهه وإشاعته السّعادة والفرح "نغمات ولحونا" وتضحيته
.
← خضعت المعاني في هذه الوحدة إلى نسق تدريجيّ من
خلق الشّاعر إلى نبوّته فتألّهه .
ІІ ــ غياب الشّاعر :
احتوت هذه الوحدة على ثلاثة مقاطع :
1 ــ المقطع الأوّل : ورد التّركيب شرطيّا تلازميّا :
أداة
الشّرط : لو الدّالة على امتناع الجواب لامتناع الشّرط
الشّرط
واحد وهو غياب الشّاعر
الجواب : تنزّل في خمسة أفعال "عادت ،
واستفاق ، واستوى ، وانطوت ، ومات" فكشف تعدّدُ الجواب هولَ الفاجعة وشمولَها
عالمي الطّبيعة والإنسان :
* صورة الطّبيعة : دلّ الفعل "عادت" على
التّحوّل في صورة الطّبيعة بعد غياب الشّاعر . فأصبحت صورتها قاتمة تحيل على الموت والفناء
"وهادا شاحبات ، الوحشة ، هشيما ..." فهي ترتدي الوحشة بدل الضّباب ، والأقحوان
يصبح هشيما ، وسواقيها تتحوّل إلى سراب ، والطّيور الشّادية تصبح خرساء عاجزة عن
الشّدو ... وقد وظّف لهذه الصّورة المجازَ ففي قوله "استفاق الجدول الحالم
غيظا" استعارة مكنيّة فيها نُسبت بعض صفات الإنسان إلى الجدول . ومن خصائص
هذه الصّورة التّخييل إذ فيها خيال بعيد .
* صورة الإنسان : صورة مناقضة لما يوجد في المقطع
الأوّل من الوحدة الأولى . فالطّبيعة لم تعد مصدر جمال يسعد الإنسان "تؤذي
النّاظرينا" ، وأحلامه ورؤاه تندثر عند غياب الرّومنطيقيّ .
2 ــ المقطع الثّاني : التّركيب شرطيّ تلازميّ
أداة الشّرط فيه "لو" الدّالة على الامتناع فأبو ماضي يرفض فكرة موت
الرّومنطيقيّ . وفي جواب الشّرط هيمن معجم الحزن "شقينا ، غصص ، مغموما ،
حزينا" لبيان ما ينجرّ عن غياب الرّومنطيقيّ .
3 ــ المقطع الثّالث : هذا المقطع ذو سمة
حجاجيّة فيه انطلاق من عرض موقف سائد وردّ عليه . وهذا الموقف يبشّر بموت الشّعر
والشّاعر بناءً على مقولة التّطوّر وتجدّد حاجات العصر فردّ أبو ماضي مؤكّدا خلود
الشّاعر وتألّهه ورفعة منزلته .
التّأليف :
ــ للنّصّ بناء متميّز غير معهود .
ــ ينشدّ النّصّ إلى القصيدة الرّثائيّة القديمة
وينفصل عنها . فهناك استحضار لبعض المعاني الوجدانيّة وإشادة بالمتحدّث عنه
واعتباره خالدا لمنزلته الرّفيعة ولرسوخ مآثره . غير أنّ أبو ماضي تجاوز حادثة موت
خليل مطران إلى تمجيد الشّعراء عامّة وإلى الرّدّ على خصوم الشّعر .
ــ الأدب عند الرّومنطيقيّين نبوّة إذ يحمل الأديب
رسالة إلى البشريّة .
ــ تتجلّى الرّومنطيقيّة في هذا النّصّ في تأليه
الرّومنطيقيّ وفي هيمنة معجم الطّبيعة وفي حضور الخيال .

تعليقات
إرسال تعليق