السببية بين الغزالي وابن رشد
عندما تلامس قطعة من القطن ناراً مشتعلة، فإن القطن يحترق. هذه المشاهدة البسيطة والبديهية كانت ساحة لإحدى أكثر المعارك الفلسفية تأثيراً في تاريخ الفكر الإسلامي، وامتد تأثيرها إلى جذور الفلسفة الغربية الحديثة. يقف أبو حامد الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة" ليهدم اليقين الفلسفي المتعلق بـ "حتمية السببية"، مؤسساً لنظرية ثورية قلبت المفاهيم.
يرى الغزالي أن الاقتران بين السبب والمسبب (كالنار والاحتراق) ليس اقتراناً ضرورياً حتمياً من ذات الأشياء، بل هو مجرد "عادة" أجراها الله في الكون. نحن نرى القطن يحترق "مع" ملامسة النار، وليس "بسبب" النار ذاتها. النار بحد ذاتها جماد لا تملك إرادة الفعل، والفاعل الحقيقي والمباشر عند كل لحظة هو الإرادة الإلهية الحرة. هذا الطرح الذي يُعرف بـ (السببية العرضية - Occasionalism) يهدف إلى تحرير الإله من قيود القوانين الطبيعية العمياء التي فرضها فلاسفة اليونان ومقلدوهم. إذا كانت السببية حتمية لا تُخرق، فإن المعجزات (كعدم احتراق إبراهيم في النار) تصبح مستحيلة. أراد الغزالي إنقاذ حرية الخالق وقدرته المطلقة من قفص الحتمية المادية، مؤكداً أن ما نعتبره "قوانين طبيعية" هو مجرد تسلسل معتاد يمكن كسره في أي لحظة.
في الضفة المقابلة، يقف الفيلسوف الأندلسي ابن رشد لشن هجوم مضاد في كتابه "تهافت التهافت"، مدافعاً بضراوة عن قوانين الطبيعة والسببية الحتمية. يرى ابن رشد أن إنكار السببية هو إنكار للعقل نفسه. فالعقل البشري ليس سوى القدرة على إدراك الأسباب ومسبباتها. إذا نفينا أن للأشياء طبائع وخصائص ذاتية كامنة فيها (كالاحتراق للنار)، فإن الكون يتحول إلى فوضى مطلقة لا يمكن التنبؤ بها، وتنهار أسس العلم التجريبي والفيزياء بالكامل. يطرح ابن رشد فكرة أن الله خلق الكون ووضع فيه قوانين وخصائص ذاتية تعمل باضطراد، وأن حكمة الإله تتجلى في هذا النظام السببي المتين، وليس في التدخل المباشر والمستمر لكسر القواعد. بالنسبة لابن رشد، الغزالي ارتكب جناية بحق الفكر العلمي حينما استبدل القوانين الطبيعية بتفسيرات ميتافيزيقية لحظية.
إن هذه المعركة ليست من مخلفات الماضي المندثر؛ فهي تعيش اليوم بأسماء جديدة. لقد التقط الفيلسوف الغربي ديفيد هيوم نفس خيط الغزالي ليشكك في السببية تجريبياً، ولا تزال ميكانيكا الكم المعاصرة تتساءل عن حتمية العالم المادي مقابل الاحتمالات الرياضية، ليبقى سؤال: "هل النار تحرق حتماً؟" واحداً من أعمق ألغاز الفكر البشري.
#فلسفة_العلوم #تهافت_الفلاسفة #السببية(عن صفحة سالم يفوت على الفيس بوك)

تعليقات
إرسال تعليق