
1. المقدمة

تعتبر مسألة "أفعال العباد" والمفاضلة بين الجبر والاختيار إحدى أمهات المسائل الكلامية التي استفرغ فيها المتكلمون والعلماء وسعهم، لما لها من ارتباط وثيق بمسؤولية الإنسان الأخلاقية والتشريعية من جهة، وبطلاقة القدرة الإلهية والعدل الإلهي من جهة أخرى. وفي هذا السياق التنظيري التجديدي، يندرج نص المفكر والشيخ التونسي محمد الفاضل بن عاشور المقتطف من كتابه "محاضرات" (ص 41-42)، ليقدم رؤية مقاصدية ووجودية تسعى إلى معالجة هذه الإشكالية بروح تجمع بين الأصالة والنظر التجديدي.
تتحدد إشكالية النص في السؤال التالي: كيف أسّس ابن عاشور لرؤيته في أفعال العباد بناءً على المنظورين النقلي والعقلي؟ وإلى أي مدى استطاع تجاوز التصورات الجدلية للفرق الكلامية التقليدية؟ وما هي دواعي وضرورات استئناف القول في أصول الدين لتجاوز مواطن القصور في التراث الكلامي؟
أولاً: وجهة نظر الكاتب في موضوع أفعال العباد وأسسها النقلية والعقلية
يؤسس ابن عاشور رؤيته على أصلين مترابطين: الأصل الأنطولوجي والأصل التكليفي.
أما الأصل الأنطولوجي، فيتمثل في أن حقيقة الوجود الإنساني ليست قائمة بذاتها، بل هي وجود "ممكن" يستمد وجوده من "الوجود الواجب" (الله تعالى). وهذا الإدراك الوجودي، كما يرى ابن عاشور، ليس مجرد مسلّمة إيمانية، بل هو نتيجة ضرورية للتفلسف في الوجود: "إذا عرف حقيقة الوجود وقسم الوجود إلى قسمه: الوجود الجائز والوجود الواجب". فالإنسان، بهذا الاعتبار، "عبد لله اضطراراً" بمعنى كونه مخلوقاً له، وهذه حقيقة لا مناص من التسليم بها عقلاً قبل نقلاً، لأنها تقوم على مبدأ السببية والتمييز بين المعلول والعلة.
وأما الأصل التكليفي، فينبع مباشرة من الأول: إذا كان الإنسان مضطراً في وجوده، فكيف يتصرف في هذا الوجود الذي ليس مالكاً له؟ يرى ابن عاشور أن التصرف الاختياري للإنسان لا يمكن أن يكون عبثاً أو منفصلاً عن جذوره الوجودية، بل يجب أن يكون "متجانساً مع وجوده الطبيعي أو مع عبوديته الاضطرارية". وهذا التجانس يعني أن يجري الإنسان أعماله الاختيارية على ما يُرضي الذات الإلهية التي يرجع إليها حقيقة وجوده. وهنا ينقل ابن عاشور تعريف الشاطبي للتكليف في "الموافقات" بأنه "الخروج بالعبد من دائرة هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبداً له اضطراراً". فالتكليف إذاً ليس فرضاً خارجياً تعسفياً، بل هو تحقيق الانسجام بين البعد الاضطراري والبعد الاختياري في الإنسان، أي جعل الاختيار الإنساني مطابقاً للضرورة الوجودية.
أما الأسس النقلية، فلم يصرح بها ابن عاشور في النص مباشرة، لكن إشارته إلى "إرادة الله الاختيارية" وإلى مفهوم "الكسب" و"خلق الأفعال" تحيلنا إلى أصل قرآني واضح: آيات الأمر والنهي، والتكليف، والجزاء، التي تفترض في الإنسان قدرة على الفعل والكسب، مع بقاء المشيئة الإلهية فوق كل شيء. غير أن ابن عاشور يبتعد عن الجدل اللفظي بين الفرق، ويركز على البعد المقاصدي: فالتكليف، في نظره، ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتحقيق "رضا الخالق"، وهذا الرضا هو المعيار الأخلاقي النهائي.
والخلاصة أن وجهة نظر ابن عاشور تجمع بين الأصول الثلاثة: العقل (باعتبار البرهان الوجودي)، والنقل (باعتبار التكليف الشرعي)، والذوق الصوفي (باعتبار العبودية والرضا)، في توليفة تميل إلى التوفيق بين الجبر والاختيار من زاوية مقاصدية وجودية، لا من زاوية كلامية جدلية.
ثانياً: مقارنة بين تصور ابن عاشور وتصورات الفرق الكلامية
لمناقشة موقف ابن عاشور، لا بد من وضعه في سياق الخلافات الكلامية الكبرى حول أفعال العباد، والتي يمكن إجمالها في ثلاثة مذاهب رئيسية:
المعتزلة: يذهبون إلى أن الإنسان خالق لأفعاله حقيقة، وأن له قدرة مطلقة على الاختيار، وأن الله لا يخلق الشرور، وإلا لكان ظالماً. فهم يرفعون شعار "التوحيد والعدل"، وينفون أي معنى للجبر حفاظاً على مسئولية الإنسان واستحقاقه للثواب والعقاب.
الأشاعرة: يرون أن الله خالق لأفعال العباد خلقاً مباشراً، وأن الإنسان لا يملك إلا "كسباً" أي اختياراً عرضياً لا تأثير له في إيجاد الفعل، بل هو مجرد اقتران القدرة بالفعل مع إرادة ضعيفة. ويستندون في ذلك إلى ظواهر النص القرآني التي تحيل كل شيء إلى مشيئة الله، ويحاولون التوفيق بين الجبر والاختيار بنظرية الكسب التي كثيراً ما انتقدت بالغموض.
الماتريدية: وهم أقرب إلى الأشاعرة، لكنهم يمنحون للإنسان قدرة مؤثرة نوعاً ما، ويعتبرون أن الله خلق الفعل، والإنسان اكتسبه بقدرة حادثة مقارنة للفعل، وهو موقف يحاول أن يكون أكثر اعتدالاً.
أين يقع ابن عاشور من هذه الأطياف؟
يبدو ابن عاشور وكأنه يمر فوق الخلافات الكلامية التقليدية، ولا ينحاز لأي من الفرق حرفياً. فهو يرفض كلاً من الجبر المحض (عند بعض الحشوية) والتفويض المطلق (عند المعتزلة)، لكنه يختلف عن الأشاعرة في نقاط جوهرية:
أولاً: لا يتعامل مع "الكسب" كحل لفظي، بل يصر على أن للإنسان "اختياراً ما" يصدر عنه أفعاله، وهو اختيار حقيقي وإن كان مقيداً بكونه ليس مالكاً لنفسه. فهو يرفض القول بخلق الأفعال أو بالكسب بصيغته الأشعرية المجردة، ويفضل الحديث عن "تصرف اختياري" يتحقق فيه معنى الرضا والقصد.
ثانياً: يختلف عن المعتزلة في أنه لا يمنح الإنسان استقلالاً وجودياً، بل يعيد ربط الفعل الإنساني بإرادة الله "الاختيارية التي كونه"، فيظل الفعل منسوباً إلى الله من حيث الوجود، وإلى الإنسان من حيث القصد والمسئولية. وهذا الموقف أقرب إلى الرؤية الماتريدية منها إلى الأشعرية، لكنه يغني عنها بمقصد أخلاقي هو "الرضا"، مما يجعله يخرج من دائرة الجدل العقلي إلى دائرة السلوك الروحي.
ثالثاً: يقدم ابن عاشور مفهوماً مبتكراً للعبودية، يربط بين القسمين الاضطراري والاختياري في وحدة متكاملة، بحيث يصير الاختيار الإنساني امتداداً للاضطرار الوجودي، لا نقضاً له. وهذا يختلف عن التصور الأشعري الذي يفصل بين خلق الله وكسب العبد، وعن التصور المعتزلي الذي يفصل بين فعل الله وفعل الإنسان، بل يقترح وحدة جدلية تجعل الاختيار مظهراً من مظاهر العبودية لا خروجاً عليها.
وهكذا، نرى أن مقاربة ابن عاشور ليست مجرد موقف كلامي وسط، بل هي موقف أخلاقي-وجودي يعيد تعريف الإرادة الإنسانية في ضوء الغائية العليا للتكليف، وليس في ضوء القوى والقدرات المجردة. وهي بذلك تضرب بجذورها في تراث الشاطبي المقاصدي، وتتجاوز الإشكالات اللفظية التي طالما شغلت المتكلمين.
ثالثاً: مواطن القصور في التراث الكلامي والضرورات لاستئناف القول في أصول الدين
يتضمن النص نقداً ضمنياً للتراث الكلامي، يفصح عنه قول ابن عاشور: "يقطع النظر عن القول بخلق الأفعال أو بالكسب أو بغير ذلك". هذه العبارة تعني ضمناً أن الجدل الكلامي حول هذه المصطلحات قد بلغ درجة من التعقيد والعقم، بحيث بات حاجزاً دون إدراك المعنى الحي للتكليف. ومن هنا يمكننا استخلاص أهم مواطن القصور في التراث الكلامي، والضرورات الداعية إلى استئناف القول في أصول الدين:
مواطن القصور:
الغموض اللفظي والمصطلحي: مفهوم "الكسب" عند الأشاعرة، و"الخلق" عند المعتزلة، ظلا مفاهيم غير محددة بدقة، مما أدى إلى جدال عقيم لا يقدم إضافة معرفية، بل يكرس إشكالات جديدة دون حلول.
الانفصال عن المقاصد الأخلاقية: تحول علم الكلام إلى فن دفاعي يدافع عن موقف طائفي، وابتعد عن جوهر التكليف الذي هو تهذيب النفس وتحقيق العبودية والرضا، كما نبه إلى ذلك الشاطبي وابن عاشور.
النزعة الجدلية غير المنتجة: الاعتماد على منهج "الخصومة الكلامية" جعل علم الكلام يتيه في مجاهيل القضايا العقلية، دون أن يقدم حلولاً لقضايا الوجود الإنساني الواقعي والحرية والمسئولية في سياق الحياة اليومية.
تجاهل البعد الكوني والأنطولوجي: قصّر التراث الكلامي في النظر إلى الفعل الإنساني بوصفه جزءاً من نظام وجودي كلي، واكتفى بالنظر إلى الذات الإلهية والذات الإنسانية بمعزل عن علاقتهما بالكون والطبيعة والقوانين الإلهية في الخلق، وهو ما حاول ابن عاشور تداركه بتقسيم الوجود إلى واجب وجائز.
الضرورات لاستئناف القول في أصول الدين:
من خلال قراءة النص، يمكن استنتاج ضرورات أساسية:
أولاً: ضرورة العودة إلى المقاصد الشرعية كمفتاح لفهم التكليف، بحيث لا يكون النظر في أفعال العباد مجرد نظر في القدرة والخلق، بل نظر في غائية الخلق والتكليف، أي "الرضا" و"العبودية الاختيارية".
ثانياً: ضرورة تجاوز النزعة الطائفية في علم الكلام، والانفتاح على رؤية وجودية شاملة، مستلهمة من البرهان العقلي والذوق الروحي معاً، كما فعل ابن عاشور عندما جمع بين العقل (قسمة الوجود) والوجدان (الرضا).
ثالثاً: ضرورة إعادة الاعتبار للإرادة الإنسانية بوصفها ظاهرة حقيقية، مع بقائها مقيدة بمحدداتها الوجودية، وهذا لا يتم إلا بمنهج فلسفي نقدي يحرر المسألة من ثنائية الجبر والاختيار التقليدية إلى رؤية جدلية تراعي تعقد الفعل الإنساني بين دوافعه النفسية وشرطه الوجودي.
رابعاً: ضرورة تحديث لغة علم الكلام، واستبدال المصطلحات المتكلسة (كخلق الأفعال، والكسب) بمفاهيم أكثر دلالة على الواقع المعيش، مثل "التصرف الاختياري"، "المسئولية"، "الإرادة المقيدة"، "الوجود الممكن" وغيرها، بما يتلاءم مع العصر ومتطلبات الفلسفة والعلوم الإنسانية.
خامساً: ضرورة ربط علم أصول الدين بالأخلاق والتربية، بحيث لا يبقى علماً نظرياً مجرداً، بل يكون مؤسساً لرؤية تربوية تمكن الإنسان من أن يكون "عبداً لله اختياراً"، وهو ما ينسجم مع الاختصاص الأصلي للنص (التربية والتقنيات الإسلامية).
خاتمة:
يمثل نص ابن عاشور هذا محاولة رائدة لتجديد النظر في قضية أفعال العباد، لا عبر إعادة إنتاج الخلافات الكلامية القديمة، بل عبر إعادة صياغة السؤال نفسه: من فعل الفعل؟ إلى سؤال: كيف يمكن للفعل الإنساني أن يكون تعبيراً عن العبودية الكاملة، التي تجمع بين الضرورة والاختيار؟ وهكذا، يكون ابن عاشور قد انتقل بعلم الكلام من "علم النظر والاستدلال" إلى "علم التحقيق الوجودي والأخلاقي"، متكئاً على منهج الشاطبي في الموافقات، ومؤسساً لخطاب أصولي جديد، أكثر قدرة على معالجة إشكاليات الإنسان المعاصر، وأكثر التصاقاً بجوهر الدين الذي هو "الرضا" و"العبودية" و"تحقيق مقاصد الخالق في خلقه". وهذا هو بالضبط ما يدعو إليه النص من "استئناف القول في أصول الدين"، لا كتراث جامد، بل كفكر حي يتجدد بمقتضى العقول والزمان.

تعليقات
إرسال تعليق