القائمة الرئيسية

الصفحات

الرحلة الخيالية في رسالة الغفران: بناء فني وآلية نقد فكري

الرحلة الخيالية في رسالة الغفران: بناء فني وآلية نقد فكري

مقدمة إشكالية

لا يمكن التعامل مع رسالة الغفران بوصفها مجرد رحلة تخييلية في العالم الأخروي، ولا باعتبارها رسالة جوابية ساخرة فحسب، بل هي نصّ مركّب يتخفّى فيه النقد وراء الخيال، وتتحوّل فيه الرحلة من انتقال مكاني إلى محاكمة فكرية شاملة لقيم المجتمع العباسي وتصوراته الدينية والأدبية.

ومن ثمّ تطرح الرسالة إشكالية مركزية مفادها: كيف جعل أبو العلاء المعري من الرحلة الخيالية أداة لتفكيك الفكر السائد، ونقد المثقف الزائف، وفضح التصورات النفعية للدين؟



أولًا: بناء العالم الأخروي ووظيفته الرمزية

اعتمد المعري المرجعية الدينية في رسم معالم الجنة والجحيم، غير أنّه لم يلتزم بها التزامًا عقديًا حرفيًا، بل أعاد تشكيلها وفق رؤية رمزية ناقدة. فالجنة في رسالة الغفران ليست فضاءً للعدالة المطلقة، بل عالمًا تسوده المفارقات ويعيد إنتاج اختلالات الواقع الأرضي.

«جعل الحطيئة في أقصى الجنة في كوخ حقير»

تحمل هذه الصورة دلالة عميقة: فالمعيار الأخلاقي لا يتطابق مع القيمة الشعرية، وهو ما يعكس رؤية المعري النقدية لمجتمع يخلط بين الإبداع والسلوك، وبين الشهرة والاستحقاق.

قال طه حسين: «لم يكن أبو العلاء يصف الجنة بقدر ما كان يفضح بها الناس».

ثانيًا: كسر الخطية السردية وهيمنة العقل

تبدو الرحلة في ظاهرها خطية، لكنها في عمقها قائمة على الاستطراد والتشظي. فالسرد ينقطع فجأة للحديث عن قضية لغوية، أو جدل نقدي، أو مسألة عروضية، وهو ما يعطّل متعة القصّ التقليدية.

غير أنّ هذا التعطيل ليس عيبًا فنيًا، بل اختيار واعٍ يعكس موقف المعري من المتلقي، إذ لا يريد قارئًا مستهلكًا، بل قارئًا مفكرًا يشاركه فعل التأمل.

يرى عبد الفتاح كيليطو أن «الاستطراد عند المعري شكل من أشكال التفكير لا الحشو».

ثالثًا: السخرية بوصفها خطابًا فلسفيًا

تُعدّ السخرية في رسالة الغفران جوهر البناء الدلالي، إذ لا تُستخدم للإضحاك، بل لكشف التناقض بين الخطاب والممارسة. وتبرز هذه السخرية بوضوح في شخصية ابن القارح، الذي يقدّم نفسه تقيًا، بينما تفضحه أقواله وتصرفاته.

«صناعتي الأدب أتقرّب به إلى الملوك والسادات»

يفضح هذا القول الوظيفة النفعية للأدب، ويكشف عن تحوّل المثقف إلى تابع للسلطة، وهو ما يجعل ابن القارح نموذجًا للمثقف الزائف الذي يتاجر بالقيم ولا يلتزم بها.

يقول إحسان عباس: «ضحك المعري سخرية مفكرة لا ترفًا لغويًا».

رابعًا: نقد التصورات العقائدية الساذجة

ينتقد المعري الاعتقاد السائد بأن الغفران يُنال بالكلمة أو بالانتماء، لا بالفعل والعمل. فالجنة في الرسالة ليست مكافأة مجانية، بل فضاء يكشف زيف هذا التصور.

«من لم يتب من الخمرة في دار الدنيا لم يُسقها في الآخرة»

يؤكد هذا القول مبدأ المسؤولية الفردية، ويرفض تحويل الدين إلى وسيلة للضمان الأخروي، وهو ما ينسجم مع النزعة العقلية الأخلاقية للمعري.

خامسًا: ابن القارح بوصفه قناعًا دلاليًا

لا يمثّل ابن القارح شخصية فردية بقدر ما هو قناع فني تختبئ خلفه فئة اجتماعية كاملة: فئة تتزيّا بلباس التقوى، وتسلك سلوك المنفعة، وتفصل بين القول والعمل.

يرى محمد مندور أن «ابن القارح صورة رمزية لانفصام المثقف عن القيم التي يدّعي الدفاع عنها».
خلاصة تركيبية: تثبت رسالة الغفران أن الرحلة الخيالية عند أبي العلاء المعري ليست هروبًا من الواقع، بل أداة فكرية لمساءلته. فالخيال والسخرية والاستطراد تتحول جميعها إلى آليات نقد عقلاني، جعلت من النص عملًا سابقًا لعصره، وقطعة مفصلية في تطور السرد العربي.

تعليقات

التنقل السريع